الله حاضر في حياة الإنسان العملية


أكتب إليكمعن الله كما نحسه في العمل، بحسب مسرة حضوره، منجذبًا إلى القلوب التي تدعوه وهيتتحرك وتسير وتعمل وتجهد في عرق الرضا والشكر، حيث يتراءى الله بصورة سرية علىهيآت مختلفة تبدو وكأنها رضى ومساهله غير مقصودة، مع أنه هو حضور الرب على هيأةنِعم عمل ومواهب مقتدرة تختفي وراء قدرة الإنسان الهزيلة وتفكيره المكدود العاجز.إنه الرب الذي يعمل بواسطة أيدينا وأفكارنا.

 

أما أساسهذا الحق فهو أنه بالإيمان صارت هناك وحدة واحدة واتحاد يربطنا سراً بالرب ، هذاالرباط هو المنافذ إلى الفكر والإرادة والعمل ، والتي تبدو خطاً أنها مهارة، معأنها هي هي الحضور السري الفعّال على مستوى بسيط. فالوحدة الكائنة بالإيمان معالرب " يثبت فيّ وأنا فيه" ( يوحنا 6 : 56)، هذا الثبوت المتبادل لاينحبس في حدود الروح بصفة مجهولة بل يبرز بقوة إلى حيز العمل والقول والتفكير ،فالرب بالإيمان والصلاة والمحبة لا يبقى فينا ساكناً بل حيًا متحركًا.

 

لا توجدللإنسان الروحي المؤمن بيسوع حياتان:  حياة روحية مظهرها الصلاة والتأمل...إلخ، وحياة مظهرها العمل والحركة وأداء المهام اليومية المادية ، بل هي حياةواحدة فقط لا ترتبط بالمظاهر بل تكون جوهر كل حركة وكل فكر وكل كلمة ، ويعيشالإنسان في محتواها كليًا " به نحيا ونتحرك ونوجد" ( أع 17 : 27)، بلقريب ومتداخل إلى حد الإتحاد الإرادي غير المنظور: " الله هو العامل فيكم أنتريدوا وأن تعملوا" ( في 2 : 13) ، ولذلك يفرح العامل بعمله وينجح.

 

انحرافأولاد الله يُحزن روح الله

ولكن مُرعبأقصى الرعب أن يريد الإنسان شراً أو يعمل إثمًا، متعدياً عن إرادةً، هنا يُهان روحالله فينا فيضطر إلى إخلاء مؤقت لمسكته في القلب ، فيبقى الإنسان وحيدًا مهجوراً،وتنطفئ الرؤيا وتتوقف البصيرة ، فيعمل الإنسان كأعمى يسير في ظلامه الدامس، ولهذافإن انحراف أولاد الله ليس فقط هو سر الفشل والخسارة وفساد العمل بل يتخطى ذلك إلىإحزان روح الله وجرحه وإهانته ، ولا عودة إلى حالة الشركة إلا بعد توبة صادقة منقلب يحترق ندمًا لاسترضاء روح الله الوديع، فيعود الله يملأ أركان القلب ، وينفرشعلى كل مسطح الإرادة بعد أن يشفي ما فسد وكأنه بعمل جراحي يعزل الأجزاء التيامتلكها الشيطان وسوَّدها وأنتنها وكأنها أجزاء مسرطنة...

 

ثم أعودوأُنبِّه أن حضور الله قائم بصورة عملية وفعّالة في حياة الإنسان العملية أضعافًامضاعفة لوجوده في حياة التأمل الفكرية ، لأن مسرة الله أن يُختبر بالفعل ويتراءىبالعمل!!

صحيح أنالله يتحتم أن يُدرك أولاً بالعقل بالرؤيا العقلية التي تسمى في اللغة العربية" بالحدس" أي إلهام العقل المباشر ، لأن الإحساس العقلي منوط به إدراكالخلود والأبدية والتعرف على الله الأبدي، ومن ثم إدراك المسيح وكل صفاته وأعمالهالتي هي أصلاً " من عند أبي " كقول المسيح( يوحنا 10 : 32) ، مشيراًبذلك إلى كونها أبدية خالدة وليست من هذا الدهر" الحياة الأبدية كانت عندالآب وأُظهرت لنا" ( 1 يوحنا 1 : 2). وبالرغم من كون هذه الحياة سرية بهذاالمقدار وموقوتة على محيط غير المنظور ، إلا أن يوحنا يشهد وعن يقين أنهم سمعوهوشاهدوه ولمسته أيديهم ، ليس كما يسمع الإنسان ويشاهد ويلمس الأمور المادية بحواسمادية ، بل إن هذا السمع وهذه المشاهدة وهذا اللمس يتم عن طريق حدوث شركة مع غيرالمنظور هذا . هنا الدهشة والعجب والانذهال التي تصيب الإنسان بقشعريرة ورهبة ،لأن المسألة فاقت حد إدراك ورؤية وملامسة آخر، ولكنها شركة ، والشركة تعبير عنإتحاد بغير المنظور هذا وبغير المشاهد أصلاً ولا ملموس.

 

قدرةالإنسان على نقل غير المنظور إلى حيز العمل:

من هناجاءت القدرة العجيبة التي حازها الإنسان بالإيمان بالرب، وقدرة نقل هذا غيرالمنظور ولا المنطوق به ولا الملموس إلى حيز العمل والتعبير والإعلان الفعلي فيصميم الحياة: " الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به ( عن طريق الكلمة والعملوالسلوك) لكي يكون لكم أيضاُ شركة معنا ، وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنهيسوع المسيح.. ليكون فرحكم كاملاً ( 1 يوحنا 1 : 3 ، 4).

 

ثم إنالعمل والسلوك أصبحا يشهدان على هذه الشركة ، شركة الله معنا، حتى إذا انحرف العملوالسلوك ناحية الكذب أو الشر أو الباطل ، أيًا كان ، توقفت وبطلت هذه الشركة ،واختفى نور الله من العقل والقلب: " إن الله نور وليس فيه ظلمة البتة ، إنقلنا أن لنا شركة معه وسلكنا في الظلمة نكذب ولسنا نعمل الحق"

 ( 1 يوحنا 1 : 5 ، 6 ).  

 

الله يظهرمن خلال العمل:

إذن يظهرلنا بوضوح أن الله والعمل حقيقة واحدة، فالعمل إما يكشف عن وجود الله فينا أو يكشفعن غيابه تمامًا . ومن هنا يظهر سر الصبر في العمل بل سر الاحتمال للمصاعب الذييفوق احتمال الإنسان العادي بل سر تجلي العمل الذي يُسمى بالنجاح ، معلنًا عنالعنصر الإلهي الكامن فيه والذي يهدف في النهاية وبصورة شاملة وكلية إلى تجديدالعالم من خلال العمل، والشهادة للرب وسط موات المادة وجمودها، فما أعجب يدالإنسان عندما يحركها الله! وما أعجب عقل الإنسان عندما يغشاه نور الله!

 

حضور اللهيشيع فينا الأمان:

من هناتستطيع بكل ثقة الإيمان ويقين الرجاء أن نقول إن كل عمل يقع في أيدينا مؤمَّن عليهبضمان حضور الله!!! وهذا يشيع فينا بالتالي إحساساً عميقًا بالأمان!!

فالعالممتغير وهذا يقلقنا ، ولكن الله ثابت وثبوت الله كفيل بأن يجعل تغير العالم يكونإلى أفضل فينا ولنا، وهكذا تصبح الأعمال بالرغم من كل ما فيها من تغييرات متعبةومقلقة ومخسرة تنتهي إلى بناء الإنسان بسبب العنصر الإلهي الذي يحركها نحو هدفصالح للإنسان الذي استحسن أن يُبقي الله في معرفته !! وهكذا يذهل العقل ويندهشجداً عندما يدرك أن الأبدية قائمة في وضع سري داخل العالم ومثبتة في كل عمل يعملهالإنسان ، عندما يكون متوكلاً على الله.

بقلم الأبمتى المسكين